الشيخ محمد النهاوندي
405
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فقال : الدّليل عليه قول يونس في بطن الحوت : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ « 1 » . فتعجّب منه النّاظرون ، فالتمس صاحب الضّيافة بيانه . فقال الإمام « 2 » : هاهنا فقير مديون بألف درهم ، أدّ عنه دينه حتّى أبيّنه . فقبل صاحب الضّيافة دينه ، فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا ذهب في المعراج إلى ما شاء اللّه من العلى ، قال : « ربّ لا احصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » ولمّا ابتلي يونس عليه السّلام بالظّلمات في قعر البحر ببطن الحوت ، قال : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فكلّ منهما خاطبه بقوله : ( أنت ) وهو خطاب الحضور ، فلو كان اللّه في مكان لما صحّ ذلك « 3 » . ثمّ قال اللّه تعالى تقريرا للقربة وترغيبا للعباد في دعائه : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وأعطي ما سأله السائل إِذا دَعانِ وسألني حاجته باللّسان والقلب في السّرّ والجهر . ومن الواضح أنّه إذا لم يخالف إجابته القضاء المبرم ولم يكن في إسعاف حوائجهم مفسدة في دينهم ودنياهم . فإذا كنت مجيبا لدعائهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وليبادروا إلى إجابة دعائي إلى الإيمان والأعمال الصّالحة ، فكأنّه تعالى قال : أنا مع غنائي عنكم أجيب دعاءكم ، فأنتم مع نهاية حاجتكم إليّ في جميع أموركم أحقّ وأولى بإجابة دعائي . ثمّ بيّن استجابتهم الواجبة « 4 » بقوله : وَلْيُؤْمِنُوا بِي فكأنّه قال : إجابة دعائي الإيمان بوحدانيّتي وبرسولي بجميع ما جاء به . عن الصادق عليه السّلام : « أنّ معناه ليتحقّقوا أنّي قادر على إعطائهم ما سألوه » « 5 » . لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ويصيبون الحقّ ويهتدون إليه ، ويمكن أن يكون من وجوه نظم الآية أنّ من وظائف الصّائم الدّعاء ، كما روي أنّ دعوة الصّائم لا تردّ « 6 » . في بيان بعض موجبات عدم استجابة الدعاء روي أنّ الصادق عليه السّلام قرأ : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ « 7 » فسئل : ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ فقال : « لأنّكم تدعون من لا تعرفون ، وتسألون ما لا تفهمون فالاضطرار
--> ( 1 ) . الأنبياء : 21 / 87 . ( 2 ) . في النسخة : فقال فخر ، وما أثبتناه من روح البيان ، إذ المراد إمام الحرمين لا الفخر الرازي . ( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 365 . ( 4 ) . في النسخة : الواجب . ( 5 ) . مجمع البيان 2 : 500 ، تفسير الصافي 1 : 204 . ( 6 ) . عدة الداعي : 128 ، بحار الأنوار 96 : 256 / 36 . ( 7 ) . النمل : 27 / 62 .